تتصاعد المخاوف الإسرائيلية من التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن، في ظل تقدم جماعة الحوثيين على الساحل الغربي واقترابها من مناطق شديدة الأهمية بالنسبة لحركة الملاحة في البحر الأحمر، ما يعيد مضيق باب المندب إلى صدارة الحسابات الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات بعدما تمكن الحوثيون، وفق تقارير دولية، من تحقيق مكاسب ميدانية على الساحل الغربي والسيطرة على جزيرة ميون ومناطق قريبة من المضيق، الأمر الذي يمنحهم موقعًا أكثر تأثيرًا على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
لماذا يمثل باب المندب أهمية لإسرائيل؟
ينظر صانعو القرار في إسرائيل إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا أساسيًا من منظومة التجارة والإمدادات، خصوصًا أن نسبة كبيرة من التجارة الإسرائيلية تمر عبر الموانئ والطرق البحرية.
ويكتسب باب المندب أهمية إضافية لأنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، فيما يؤدي اضطراب الملاحة فيه إلى زيادة المسافات والتكاليف بالنسبة للسفن المتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس.
وبالتالي، فإن توسع نفوذ الحوثيين بالقرب من المضيق لا يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره تطورًا يمنيًا محليًا فحسب، بل باعتباره عاملًا يمكن أن يؤثر في حركة التجارة والطاقة على نطاق أوسع.
السيطرة على الساحل تغيّر المعادلة
اللافت في التطورات الأخيرة أن التحرك الحوثي لم يقتصر على مناطق داخلية، بل امتد باتجاه الساحل الغربي ومواقع وجزر استراتيجية في البحر الأحمر.
وتشير تقارير دولية إلى أن السيطرة على ميناء المخا والتقدم باتجاه جزر البحر الأحمر، ومن بينها ميون، عززا قدرة الجماعة على التأثير في البيئة البحرية المحيطة بباب المندب.
وتعتبر وكالة رويترز أن هذا التقدم يضع الحوثيين في موقع أقرب إلى التأثير في أحد أهم ممرات الشحن العالمية، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر على تجارة النفط والسلع.
المخاوف تتجاوز إسرائيل
لا تقتصر تداعيات التطورات على إسرائيل، إذ يمثل باب المندب نقطة اختناق بحرية ذات أهمية عالمية. وأي اضطراب واسع في حركة السفن عبره يمكن أن ينعكس على تكاليف الشحن وأسعار الطاقة ومسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتزداد حساسية الوضع في ظل اضطرابات متزامنة في مضيق هرمز، ما يرفع المخاوف من تعرض أكثر من طريق رئيسي للطاقة والتجارة في المنطقة للاضطراب في الوقت نفسه.
إيران حاضرة في الحسابات
وتضيف علاقة الحوثيين بإيران بعدًا إقليميًا للتطورات. فقد أشارت مصادر نقلت عنها رويترز إلى وجود دعم إيراني عسكري واستشاري للجماعة خلال عملياتها الأخيرة على الساحل الغربي، بينما تنفي طهران أن تكون صاحبة القرار المباشر في العمليات الحوثية.
ومن المنظور الإسرائيلي، فإن تعزيز موقع الحوثيين قرب باب المندب يثير مخاوف من اتساع النفوذ الإيراني في ممرات بحرية استراتيجية، خصوصًا مع أهمية باب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز.
هل يتحول باب المندب إلى ورقة ضغط إقليمية؟
التطور الأبرز لا يتعلق فقط بالسيطرة على مواقع جغرافية، وإنما بإمكانية تحويل الموقع البحري إلى ورقة ضغط في الصراع الإقليمي.
وفي حال استمرار التقدم الحوثي على الساحل، فقد تجد السعودية ودول أخرى نفسها أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، في حين تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معضلة التعامل مع تهديد بحري يقع على مسافة بعيدة نسبيًا عن أراضيهما لكنه يمس مصالحهما الاستراتيجية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع اليمني بات مرتبطًا بصورة أكبر بحسابات الأمن البحري والطاقة والتنافس الإقليمي، وليس مجرد مواجهة داخلية على السلطة.
الخلاصة
يعكس القلق الإسرائيلي المتزايد من تقدم الحوثيين أهمية التحولات الجارية على الساحل اليمني. فباب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، وإنما نقطة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
ومع استمرار تقدم الحوثيين نحو المناطق المحيطة به، قد تتحول السيطرة على الساحل الغربي إلى عنصر أكثر تأثيرًا في موازين القوى في البحر الأحمر، بما يجعل مستقبل الملاحة في المضيق أحد الملفات الرئيسية في الصراع الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
